ابن أبي الحديد
110
شرح نهج البلاغة
على نفسك كفيلا ، وأذكرك نعمتي عليك وعلى من معك ، بعد يأسكم من الحياة ، وإشفائكم على الممات ، وأدعوك إلى ما فيه حظك ورشدك من الوفاء بالعهد ، والاقتداء بآبائك وأسلافك الذين مضوا على ذلك في كل ما أحبوه وكرهوه ، فأحمدوا عواقبه وحسن عليهم أثره . ومع ذلك فإنك لست على ثقة من الظفر بنا ، وبلوغ نهمتك ( 1 ) فينا ، وإنما تلتمس أمرا يلتمس منك مثله ، وتنادي عدوا لعله يمنح النصر عليك ، فاقبل هذه النصيحة فقد بالغت في الاحتجاج عليك ، وتقدمت بالاعذار إليك ، ونحن نستظهر بالله الذي اعتذرنا إليه ، ووثقنا بما جعلت لنا من عهده ، إذا استظهرت بكثرة جنودك ، وازدهتك عدة أصحابك ، فدونك هذه النصيحة ، فبالله ما كان أحد من أصحابك يبالغ لك أكثر منها ، ولا يزيدك عليها ، ولا يحرمنك منفعتها مخرجها مني ، فإنه ليس يزرى بالمنافع والمصالح عند ذوي الآراء صدورها عن الأعداء ، كما لا تحسن المضار أن تكون على أيدي الأصدقاء . واعلم أنه ليس يدعوني إلى ما تسمع من مخاطبتي إياك ضعف من نفسي ، ولا من قلة جنودي ، ولكني أحببت أن أزداد بذلك حجة واستظهارا ، فأزداد به للنصر والمعونة من الله استيجابا ، ولا أوثر على العافية والسلامة شيئا ما وجدت إليهما سبيلا ( 2 ) . فقال فيروز : لست ممن يردعه عن الامر يهم به الوعيد ، ولا يصده التهدد والترهيب ، ولو كنت أرى ما أطلب غدرا مني ، إذا ما كان أحد أنظر ولا أشد إبقاء منى على نفسي ، وقد يعلم الله إني لم أجعل لك العهد والميثاق إلا بما أضمرت في نفسي ، فلا يغرنك الحال التي كنت صادفتنا عليها من القلة والجهد والضعف .
--> ( 1 ) النهمة : الحاجة والشهوة . ( 2 ) في عيون الأحبار بعدها : " فأبى فيروز إلا تعلقا لحجته في الحجر الذي جعله حدا بينه وبينه " .